الشيخ محمد رشيد رضا
257
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقال آخرون انها لم تنزل البتة قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : وقال قائلون انها لم تنزل ، فروى ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله « أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ » قال هو مثل ضربه اللّه ولم ينزل شيء . رواه ابن أبي حاتم وابن جرير . قال ابن جرير : حدثنا القاسم - هو ابن سلام - حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : مائدة عليها طعام ، وعنه قال : أبوها حين عرض عليهم العذاب ان كفروا فأبوا أن تنزل عليهم . وقال أيضا : حدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور بن زاذان عن الحسن أنه قال في المائدة : انها لم تنزل . وحدثنا بشر حدثنا يزيد وحدثنا سعيد عن قتادة قال : كان الحسن يقول لما قيل لهم « فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ » قالوا لا حاجة لنا فيها فلم تنزل . وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن . وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس هو في كتابهم ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله وكان يكون موجودا في كتابهم بالتواتر ولا أقل من الآحاد واللّه أعلم . اه ثم ذكر الحافظ رأي الجمهور وترجيح ابن جرير له وذكر الرازي أن الذين قالوا بنفي نزولها احتجوا عليه بوجهين ذكرهما وأجاب عنهما فقال ( أحدهما ) ان القوم لما سمعوا قوله ( أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) استغفروا وقالوا لا نريدها ( والثاني ) انه وصف المائدة بكونها عيدا لأولهم وآخرهم فلو نزلت لبقي ذلك العيد إلى يوم القيامة . وبعد ذكر قول الجمهور بنزولها لوجوب إنجاز الوعد الجازم غير المعلق قال - « والجواب عن الأول ان قوله « فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ » شرط وجزاء لا تعلق له بقوله « إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ » والجواب عن الثاني أن يوم نزولها كان عيدا لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم اه أقول : أما جوابه عن الحجة الأولى ففي غير محله لوجهين ( أحدهما ) أنها عبارة عن خبر ان صح لا ترد صحته بكون جملة الوعيد الشرطية غير متعلقة بجملة الوعد ، الا إذا قاله هذان التابعيان الاجلاء من قبيل التفسير بالرأي ، والأقرب ان له عندهما أصلا مرفوعا ، فالأولى ان يحمل على وجه يتفق مع صدق الوعد ، وهو ( الوجه الثاني ) وذلك بأن يقال إن جملة الوعيد مرتبة على جملة الوعد لعطفها عليها بالفاء كما بيناه « تفسير القرآن الحكيم » « 33 » « الجزء السابع »